الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

199

الأخلاق في القرآن

2 - الآية ( 89 ) من سورة آل عمران ، وبعد إشارتها لمسألة الإرتداد وعقابها ، يقول تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » 3 - الآية ( 146 ) من سورة النساء ، وبعد إشارتها للمنافقين ، وعاقبة أمرهم السّيئة ، تذكر : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ » . 4 - وفي الآية ( 5 ) من سورة النّور ، وبعد ذكرها للعقوبة الشّديدة المترتبّة على القَذَف ، في الدنيا والآخرة ، ذكرت : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . 5 - وبالتالي نرى عنصر التّوبة ، بمثابة قانون كلّي يستوعب في نطاقه جميع الذّنوب ، فقال تعالى في الآية ( 119 ) من سورة النحل : « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » . 6 - ورد شبيه لهذا المعنى ، في الآية ( 82 ) من سورة طه : « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » . وأشارت الآية الكريمة هنا ، بالإضافة إلى رُكني التّوبة الأساسييّن ، وهما : العودة إلى اللَّه ، والعمل الصالح ، وجُبران الماضي ، ذكرت مسألة الإيمان والهداية . والحقيقة أنّ الذنوب تقلل نور الإيمان في قلب الإنسان ، وتحرفه عن الطّريق ، وعليه فإنّه بالتّوبة يجدّد إيمانه وهدايته ، في نطاق إصلاح الباطن . 7 - وورد في سورة الأنعام ، الآية ( 45 ) ، معنى مشابه أيضاً : « أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . وممّا ذكر من الآيات الآنفة ، تتضح لنا مسألة التّوبة بصورةٍ كاملةٍ ، فالتّوبة الحقيقيّةُ ليست بلفظ الاستغفار وحده ، والنّدم على ما مضى ، والإقلاع عنه في المستقبل ، بل تتعدّى إلى دائرة الانفتاح على العمل ، لإصلاح كلّ التّقصيرات والمفاسد الّتي صدرت منه في السّالف ، ومحو آثارها من نفسه وروحه ومن المجتمع ، لتحصيل الطّهارة الكاملة في واقع الإنسان والحياة ، وطبعاً بالقدر الممكن . فهذه هي التّوبة الحقيقيّة ، وليس الاستغفار وحده ! .